الشيخ محمد رشيد رضا

97

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إليهم هذه الأحكام بالوراثة عن آبائهم الوثنيين الذين كانوا يحرمون كثيرا من الطيبات ويرون أن التقرب إلى اللّه محصور في تعذيب النفس وترك حظوظ الجسد ، إذ رأوا في دينهم وفي سيرة المسيح وحواريه من طلب المبالغة في الزهد ما يؤيدها وقد تفضل اللّه تعالى على هذه الأمة بجعلها أمة وسطا تعطي الجسد حقه والروح حقها كما تقدم في تفسير ( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) فأحل لنا الطيبات لتتسع دائرة نعمه الجسدية علينا ، وأمرنا بالشكر عليها ليكون لنا منها فوائد روحانية عقلية ، فلم نكن جثمانيين محضا كالانعام ، ولا روحانيين خلصا كالملائكة ، وإنما جعلنا أناسيّ كملة ، بهذه الشريعة المعتدلة ، فله الحمد والشكر والثناء الحسن ظهر بهذا التقرير أن الآية متصلة بما قبلها ومتممة له . وقال بعض المفسرين وله وجه فيما قال : ان ما تقدم من أول السورة إلى ما قبل هذه الآية كله في القرآن والرسالة وأحوال المنكرين للداعي ، وما جاء فيها من الاحكام فإنما جاء بطريق العرض والاستطراد ، وهذه الآية ابتداء قسم جديد من الكلام ، وهو سرد الاحكام ، فإنه يذكر بعدها أحكام محرمات الطعام واحكام الصوم والحج والقصاص والوصية والنكاح والطلاق والرجعة والعدة والايلاء والرضاع وغير ذلك ، وينتهي هذا القسم بما قبل قوله تعالى ( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ) الآية ولا غرو فان بين كل قسم وآخر في القرآن من التناسب مثل ما بين كل آية وأخرى في القسم الواحد ( كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) * * * بعد ذكر إباحة الطيبات ذكر المحرمات فقال تبارك اسمه إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ هذا حصر لمحرمات الطعام من الحيوان بصيغة « انما » الدالة على ما سبق الاعلام به وهو آية سورة الأنعام التي ورد فيها حصر التحريم في هذه الأربعة بصيغة الاثبات بعد النفي . وإنما حرم الميتة لما في الطباع السليمة من استقذارها ، ولما يتوقع من ضررها ، فإنها إما أن تكون ماتت بمرض سابق أو بعلة عارضة ، وكلاهما لا يؤمن ضرره ، لان المرض قد يكون معديا ، والموت الفجائي يقتضي بقاء بعض الأشياء الضارة في الجسم كالكربون الذي يكون سبب الاختناق هذا ما قاله الأستاذ الامام ويزاد « تفسير المنار » « 13 » « الجزء الثاني »